سميح عاطف الزين
487
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وها هي قريش وحيال فشل مختلف الخطط والوسائل ، والأساليب التي استعملتها ضد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وصحبه الكرام - وكان آخرها هجمتها الشرسة على خروج المسلمين ، التي لم تعد عليها بأي نفع ، إذ ما لبث المسلمون بعدها أن عاودوا سيرتهم الأولى بالاحتكاك مع الناس نجدها تعمد إلى ابتكار نمط جديد آخر من أنماط عداوتها ، فتفكّر في مقاطعة شاملة ، لا تقتصر على محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وعلى أتباع الإسلام وحسب ، بل وتشمل بني هاشم وبني المطلب ، لأنهم يحمون محمدا ويمنعونه منها . ولكي تنفّذ ما اعتزمته من تلك المقاطعة ، فقد اجتمعت في ناديها ، وكلّفت منصور بن عكرمة « 1 » ، أن يكون كاتب الصحيفة التي تعاقد فيها شيوخ الكفر ، وأسياد الوثنية على قطع كل الصّلات مع بني هاشم وبني المطلب : فلا ينكحون منهم ، ولا ينكحون إليهم ، ولا يبيعونهم ولا يبتاعون منهم شيئا ، ولا يأخذون منهم أو يعطونهم قولا أو عملا ، إلا إذا تخلّوا عن محمد وخذلوه ، وعادوا إلى ندوة قريش ، يقرّون بما تقرّ ، ويأتمرون بما تأتمر . . . وبعد الانتهاء من هذا التعاقد الخبيث ، أمروا بصحيفتهم التي وقّع عليها أربعون رجلا من قريش ، فعلّقوها في جوف الكعبة ، توكيدا بذلك الأمر على أنفسهم . لقد كانت قريش تعني كل موقف وقفته من دعوة الإسلام ، وتدرك آثار كل سياسة اعتمدتها . ولذلك فإنها لم تكن قطّ عبثية التفكير ، ولا
--> ( 1 ) أعيان الشيعة م 1 ، ص 235 .